السيد كمال الحيدري

96

دروس في التوحيد

بيان آخر في المقام هذا البيان يعتمد على التمييز بين مقام الثبوت ومقام الإثبات . توضيحه : إنّ معرفة صفات أيّ شيء تنحصر في طريقين : الطريق الأوّل : هو طريق العلّة ، فإنّ العلّة عالمة بمعلولها وكمالات معلولها ، ومن الواضح استحالة سلوك هذا الطريق لمعرفة صفات الواجب تعالى ؛ إذ لا علّة للواجب تعالى . الطريق الثاني : من طريق آثار الشيء ، كما لو أنّك لا تعرف أنّ زيداً عالم أم لا ، لكن يمكن الاطّلاع على علمه من خلال آثاره ككلامه مثلًا . إلّا أنّه يجدر الالتفات إلى شيء مهمّ وهو أنّك إذا عرفت أنّ زيداً عالم من طريق آثاره فإنّ علمك بذلك لا يعني أنّ زيداً لم يكن عالماً في الواقع والآن صار عالماً بعدما اطّلعت على علمه ، وإنّما انكشف لك علمه الآن في مقام الإثبات ، لا أنّه لم يكن عالماً وبعد اطّلاعك على علمه صار عالماً . إذا تبيّن ذلك نقول : إنّ الصفات الفعليّة - في الحقيقة - هي ظهور وانكشاف الصفات الذاتيّة لنا ، فإنّ القدرة - وهي صفة ذاتيّة - لو أرادت أن تظهر لنا فإنّها ستظهر في هذه الصفات التي نعبّر عنها بالصفات الفعليّة كالخلق والرزق والعطيّة والجود ونحوها ، وهكذا في باقي الصفات الذاتيّة الأخرى ، فإنّها تظهر لنا من خلال الأفعال ، وهذا معنى قولهم : إنّ الصفات الفعليّة لا تنتزع إلّا بعد وجود الفعل خارجاً ، وقبله لا مجال لانتزاع هذه الصفات ، وإن كانت حقائقها موجودة في الذات . إذن صفات الذات مرتبطة بمقام الثبوت والباطن ، وصفات الفعل مرتبطة بمقام الإثبات والظاهر . على هذا الأساس يتّضح أنّ إطلاق الصفات الفعليّة على الواجب تعالى